‏إظهار الرسائل ذات التسميات إب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 مايو 2016

ليلة نصف شعبان في مدينة إب - الشعبانية

ليلة نصف شعبان تحضى بمكانة كبيرة لدى سكان مدينة إب ، تصل الى الاحتفالية الكبيرة الممزوجة بطابع ديني، و ان كانت الاحتفالية تطغى اكثر على الطابع الديني .

 بشكل عام ....ليلة نصف شعبان لها مكانة لدى اليمنين في كل مكان في اليمن ، لكن مدينة اب تتميز عن باقي مدن اليمنية بطقوس خاصة في هذه الليلة ، و بسبب ذلك الاختلاف اصبح الكثير من سكان مدينة يتسألون عن السر وراء تلك الطقوس و العادات و اصلها.

ليلة الشعبانية ( ليلة نصف شعبان) في إب


قبل الليلة يستعد منازل مدينة اب لهذه الليلة ، بعمل الكعك و الذمول(نوع من المعجنات) و الرزنة( نوع من المعجنات) و الطنفاش( الفشار)، و اعداد وجبة العصيد لاكلها ليلا . و شراء الحلوي و المشروبات و الشمع و الفوانيس و الثياب الجديدة للاطفال، و كان قديما تقوم الاسر بنفسها بصناعة القناديل (عبارة عن قطعة من قماش تلف على شكل قلم طويل  و تغمس بالزيت و اللبان المحروق ).

لن ابالغ اذا قلت ان الفرحة بليلة النصف بشعبان كانت اعظم من فرحة الاعياد الاخرى ، ربما لتفردها بخصوصيات جميلة ، و لكثيرة الطقوس التي يمارسها الناس لاجل اتمام ليلة الشعبانية ، فهي ليست مثل باقي الاعياد التي تقتصر على زيارة الاهل فقط.

بعد غروب شمس ليلة النصف من شعبان ، تكون المنازل قد اعدت اكياس صغيرة ممتلىء بالطنفاش(الفشار) و بداخلها شكلت و مليم( حلويات) و شمعة و  كعكة ، و ثلاجات فيها مشروبات، تلك الاكياس توزع على اطفال الحارات الذين ياتون لزيارة البيوت للتمسية بليلة الشعبانية و يقدمون لهم مشروبات. اما اهل المنزل فيجتمعون و يتناولون المعجنات و العصيد ( اكل العصيد عادة قديمة) ، و اما الاطفال فليبسون الملابس الجديدة .


لكن قبل خروج الجميع من المنزل اذا لم يتاخر الوقت ، فهم ينتظرون ايقونة الليلة و هو جمل الشعبانية ( مجسم خشبي كبير مغطى بالقماش ، و معتنى به جيدا ، و بداخله ثلاثة اشخاص يقومون بحملة)، و عند حضور الجمل ، و يكون بصحبة سائس الجمل ، يقومون بفتح المسجلة على صوت ينشد تمسية شعبان ( لا اعرف ماذا تقول لكن اتمنى ان اعرف كلمات تلك التمسية) ثم بعدها يقوم الجمل بالرقص على وقع الطبول و الاطفال و سكان المنازل يتجمعون حوله و هو يرقص رقصات متناغمة مع الطبول و الليلة  ، و يقوم سكان المنازل باخذ اطفالهم و وضعهم فوق الجمل اثناء الرقص ، و الخوف و البكاء دائما ما يصاحب الاطفال عند قدوم الجمل المخيف ، و بالخصوص البنات ، فجمل الشعبانية يمثل رعب للبنات اكثر من الاولاد ، و لم يكن هناك جمل واحد ، بل عدة جمال يصنعها اشخاص عديدون ، و كان هناك الجمل الكبير و الجمل الصغير، فالجمل الكبير هم خاص بالاسر التي توارثت هذا العمل ، و الجمل الصغير يقوم بتصميمة اطفال الحارات بامكانيتهم المحدودة،  و اذا تاخر قدوم الجمل ، يخرج الجميع لزيارة الاهل بصحبة الاطفال و هم يحملون الشموع و القناديل و الفوانيس ، و يذهب الاطفال ايضا لمنازل الحارات و يدقون على ابوابها و هم يحملون الشموع و القناديل و الفوانيس، يمسون عليهم بليلة شعبانية و هم يرددون اغاني الليلة التي تقول :

ألا مساء ......ليليه يا ليلــــــــــيه. ألا مساء........ليلة الشعبانيه
ألا مساء.......جوك امسي عندكم . ألا مساء ......زوجوني بنتك
ألا مساء..... جوك امسي من يريم . ألا مساء..... بالغراره والشريم
ألا مساء..... جوك امسي من عدن . الا مساء ......طرشوني باللبن
......
......
......
......
أعلى النموذج

يحصل الاطفال على اكياس مليئة بالفشار و الكعك و الحلوى و الشمع و نقود ( حق الشعبانية) و يشربون المشروبات .

اما المساجد ، فتمتلىء بالذكر و التهاليل و رائحة البخور و ماء الورد ، و بعض الاسر تقيم موالد ذكر في منازلها.  

هذا تقريبا شكل الطقوس في مدينة اب ، التي عرفها الجيل الحديث نسبيا ، و هناك عادات اخرى كانت قديما و قد اختفت .

ما اصل ليلة نصف شعبان بشكل عام ، و ما قصة ذلك المجسم الخشبي الجمل و تلك الطقوس في مدينة إب ؟

ليلة نصف شعبان احتفال ، و يؤكد انها احتفال شكل الطقوس في مدينة اب و تشترك معها مدينة الحديدة و التي تسمى عندهم ( البهجة ) ، و من التمسية يدل على انها مناسبة فيها ابتهاج اكثر من طقس ديني ، ايضا مفردات الاهازيج و الاغاني المصاحبة لهذه الليلة ، و التي تبدا بكلمة ( الا ) و هذه الكلمة مشهورة في اغاني الابتهاج لدى سكان المناطق الوسطى ، و التي تكثر في المهاجل و الافراح ، على حسب تفسير الباحث نزار عبده غانم حول تفسيرة لتلك الكلمة التي تكثر في الاغاني و المهاجل ، و يعزوها انها لا تقال الا في الاغاني التي فيها الابتهاج و الفرح.


هل ليلة نصف شعبان طقس اسلامي ؟

ليلة نصف شعبان ليست حكرا على المسلمين ، ليلة نصف شعبان طقس يوجد في شعوب اخرى غير مسلمة ، لذلك فهو طقس اقدم من الاسلام ، لكنه صبغ بصبغة دينية اسلامية فاعتقد الجميع انه طقس اسلامي .


فالصين تحتفل بعيد يسمى عيد القمر ، و يكون الاحتفال لديهم في منتصف الشهر الثامن من التقويم القمري ، و الشهر الثامن في التقويم الهجري هو شعبان ، و يعتبره الصينين عيد قومي ،  توزع الاسر  الكعك و المعجنات و الحلوى للاطفال في  هذا العيد و يحرق البخور في المعابد ، و يحملون التنين الصيني ، و تكون الكعك على شكل القمر ، و يشتري الاطفال دمية لعروسة ، و يشعلون الشموع ، و في الشوارع يحمل بعض الاشخاص  مجسم للتنين . تقريبا يمثل التنين و العروسة و القمر اهم رموز العيد في الصين ، حيث تحكي الاسطورة الصينية تقريبا قصة حول امراه طلبت مقابل الزواج بها عمل اشياء خارقة ، فقام رجل بتغير الطقس و المناخ و اخذها الى القمر .

في احدى مناطق دولة المغرب ، في ليلة نصف شعبان ، ياخذون بنت و يلبسونها ملابس معينة و تصبغ بلون احمر و تركب فوق دابة و خلفها تدق الطبول و يتوجهون بها الى نهر ، و حين تصل تقوم بغسل نفسها و محو الصبغة من على جسمها.

اما في تونس و ليبيا فاخبرني بعض الاصدقاء هناك ، بانهم كانوا يعدون وجبة العصيد في تلك الليلة.

لنذهب الى الاسلام و نبحث عن فضل ليلة نصف شعبان .

في الدين الاسلامي هناك احاديث تنسب عن فضل ليلة الشعبانية و يقال بان في ليلة نصف شعبان تسقط اوراق البشر و تقسم الارزاق ، و هناك احاديث تتحدث بان الله ينزل في هذه الليلة و يغفر للجميع .

و هناك ادعية يشتهر ذكرها في هذه الليلة ، كثير من تلك الادعية تدعو الله  الرزق و الخير و العفو.

من يدقق في تلك الامثلة السابقة سوى كانت في مدينة اب او الصين او المغرب او تونس ، سيلاحظ تشابه في اشياء ، و هي الكعك و العروسة و الحيوان و القمر، و تمثل تلك الاشياء اهم رموز ذلك العيد سوى كانت لدى المسلمين او غيرهم .

ما اصل هذا العيد ؟

من وجهة نظري استطيع ان اقول بان اصل هذا العيد هو عيد الحصاد لدى الشعوب قديما ، و لم يكن من اصل اسلامي اتى بعد قدوم الاسلام، لكنه صبغ بصبغ دينية فحضى بمكانة مقدسة ، هي نفسها المكانة المقدسة التي كانت لدى شعوب المنطقة قبل دخول الاسلام ، اذن فهو طقس محلي صرف، حتى وان قيل فيه احاديث دينية في الاسلام.
الكعك و العصيد و المعجنات ، من نتاج الحصاد ،  هو  الخير و الرزق ، هو الحمد و الشكر على المحصول ، هو دعاء المسلم لله بالرزق و الخير و العفو دائما ، هو تقسيم الارزاق للناس كما تقول النصوص الدينية في الاسلام، هو ، و الذي يوزع للناس في مشهد احتفالي كبير شكرا و حمد على محصول هذه السنة، هو الاحتفال بمحصول هذه السنة الوفير و الجيد .  


لكن كيف يمكن القول بانه عيد الحصاد و نحن نعلم بان الزراعة مرتبطة بالشهور الشمسية و ليست القمرية ؟
الكثير لا يدرك بانه قديما، كانت الشهور القمرية متوافقة مع الشهور الشمسية ، فقد كان القدماء يقومون باضافة شهر كل ثلاث سنوات لتغطية الفارق بين السنة الشمسية و القمرية ، و بهذا كان دائما يكون الشهر الشمسي يتوافق مع الشهر القمري دائما ،و من منطلق هذه الحقيقة فان شهر شعبان لابد ان يأتي في موسم الحصاد دائما، و لكن لان الاسلام جاء و ابطل الشهر الثالث عشر و هو شهر النسيء، لذلك فان شهر شعبان لم يعد ياتي في موسم الحصاد دائما،  كباقي الاشهر القمرية الاخرى ، فمرة ياتي رمضان في موسم امطار و مرة ياتي في موسم البرد و مرة ياتي في الربيع و هكذا.

اذن فشهر شعبان كان يأتي قديما في موسم الحصاد المرتبط بالشهور الشمسية ، يعني اذا كان موسم الحصاد في شهر اكتوبر ، فشهر شعبان دائما ياتي في هذا الشهر .

ما الفائدة من تلاقي الشهر الشمسي بالشهر القمري ، ما الفائدة لو قلنا بان الشهر القمري الذي سوف ياتي في موسم الحصاد سيكون شهر شعبان ، مادام و ان الشهور القمرية لا يمكن التفريق بينها ؟

نحن نعلم بان الشهر الشمسي يمكن معرفته تقريبا و بسهولة ، من خلال النجوم فعند دخول نجم نعرف بانه شهر شمسي معين ، و ايضا لانه يرافق الشهور الشمسية تغيرات طبيعية معروفة ، فموسم الامطار لدينا ياتي بغزارة في شهور معينة مثل اغسطس و يوليو و غيرها ، و الطقس البارد ياتي في نهاية السنة و هكذا ، يعني اذا لم تكن تعرف التقويم ، فانت تستطيع معرفة الشهر من خلال النجوم في السماء او من خلال التغيرات الطبيعية التي تحدث او من خلال وسائل اخرى .

لكن ماذا عن الشهر القمري ، هل يمكن التفريق بين شهر و اخر؟

طبعا الشهر القمري لا يمكن التفريق بينه و بين شهر قمري اخر ، كلها متشابة ، و لا توجد علامة يمكن من خلالها ربطها بتسمية لشهر قمري معين ، الا في حالة واحدة فقط ، و هي في الحالة التي يكون فيها القمر في اقرب نقطة الى الارض ، حيث يبدو القمر بشكل كبير جدا و كانه يهبط على الارض ، و اعتقد بانه في هذه الحالة كان هو شهر شعبان و الذي يأتي في موسم الحصاد ، خصوصا و نحن نعلم بان تراثنا الغنائي الشعبي يتغنى بشهر شعبان و يصف الجمال و وجه الحبيب بقمر شعبان لكبر حجمة و جمالة ، و تخبرنا االنصوص الدينية ايضا باحاديث حول نزول الله الى اقرب مكان في السماء و كانها حالة لوصف القمر و هو يكون كانه قريب من سطح الارض و يلامس الارض .

و لهذا فاني اعتقد بان القدماء اختاروا تلك الظاهرة و التي يكون القمر عندها في اقرب نقطة للارض ،  و يبدو فيها القمر كبيرا و كانه يلامس الارض ، و جعلوها تاتي دائما في موسم الحصاد ، شهر شعبان لدينا الان . و هذا الامر الان لم يعد كما كان في السابق ، بعد ابطال الحساب القديم في الشهور القمرية . فشهر شعبان الان لا يأتي مع تلك الظاهرة .

ماهو تفسير حيوان الجمل و الرغبة في الزواج المصاحب في هذا العيد في مدينة اب ؟

بالنظر الى عيد القمر في الصين و مشاهد الاحتفال في المغرب و مدينة إب ، نلاحظ تكرر ذكر العروسة ، فالصينين يصنعون دمى على شكل عروسة و تتحدث الاسطورة الصينية عن قصة امراه تشترط بزواجها تنفيذ مهام معينة و بالاخير تسافر الى القمر ، و في المغرب تلبس بنت ملابس معينة و تطلى نفسها بصبغة حمراء و تركب فوق دابة و تذهب تغتسل من النهر ، و في مدينة إب و غيرها من قرى اب يصاحب الاغاني التي تقال  في هذا العيد ، الحديث عن رغبة في الزواج ، و خوف و صراخ البنات من صعود فوق ظهر الجمل ، و كان العادة بضروره كل بنت تصعد فوق الجمل بخلاف الولد .

الحقيقة ....كاننا امام طقس جنائزي قديم جدا ، هذا الطقس الذي يأتي بعد الحصاد و الخير ، حيث يتم تقديم قربان للاله شكرا له على الرزق و الخير الوفير لهذه السنة .

هناك نصوص دينية تتحدث عن تساقط اوراق الناس في هذا اليوم ، و كانه في هذا اليوم تقام قرعة على الجميع ، ثم الاختيار الورقة التي عليها اسم من يتم تقديم القربان منه ، و اما نوع القربان فكان هو البنت ، في طقس يشبه الطقس لدى المصريين القدماء عروسة النيل ، فالبنت هي العروسة التي ستتزوج القمر ، هي الاضحية التي تقدم للقمر شكر له على الخير في كل سنة ، و يفسر تلك الصبغة الحمراء ( لون الدم ) التي تصبع بها البنت في دولة المغرب، هي العروسة التي تركب فوق ظهر الدابة و يضرب لها الطبول و يسير خلفها الاطفال يحملون الشموع و القناديل المصنوعة من البخور و اللبان في مشهد جنائزي لتقديمها كعروسة للقمر.



 بقلم : مدحت محمد



















الثلاثاء، 27 أكتوبر 2015

المسار السياسي و ليس المسار المناطقي او المذهبي .

كتب الدكتور مصطفى العبسي ، دكتور علم النفس الشهير في امريكا ، بوست في صفحته على الفيسبوك ، و طرح سؤال معين : لماذا المقاومة الشعبية للحوثي متركزة في تعز و عدن و مارب ، و لا يوجد لتلك المقاومة اي ذكر في ذمار و صنعاء و صعدة ؟، و انهى سؤاله بالقول : دعونا نكون صريحين و لا نكذب على انفسنا ، و ستكون الاجابة في الرد القادم ؟
الدكتور يحاول ان يكون صريح مع الجميع ، و كانه يشخص المسالة مناطقيا باستحياء ، هكذا فهمت و هكذا فهم الجميع اثناء تعليقاتهم على بوسته فالكثير من اصدقائه في الصفحة يقولون انها حرب مناطقية مذهبية.

الحقيقة لا اعرف هل الدكتور مصطفى و الذي قام بحذفي من صفحته بعد تعليقي على ذلك البوست ، كان يعني فعلا ذلك المنطق البسيط المخل للحقيقة، ام انه قد كتب بوست اخر و وضح فيه الاسباب بعيدا عن التفسير المناطقي. 

حسنا ...ساترك الدخول في التحليل النفسي الذي انطلق منه الدكتور مصطفى في تفسير تلك الظاهرة ، و ساحاول الاجابة على سؤاله بطريقة موضوعية ، و الذي اتمنى ان يصله المقال ، فربما سيعيد نظرته حول الاسباب قبل نشرة للاجابة في صفحته.

في ثقافتنا دائما ما نميل الى تفسير الظواهر من حولنا و ردها الى عوامل طبيعية ، سوى كانت ظواهر سياسية او اجتماعية الخ ....نميل الى تبسيط الظواهر بعد عجزنا عن التحليل العلمي للظواهر ، و نرد الاسباب الى عوامل طبيعية ، فتفسيراتنا لا تخلو من الاجابات : المناخ ، الجغرافيا ، الشمال ، الجنوب ، الجبل ، السهل ، الهواء ، المنطقة ، الساحل ، البحر ، الخ ، حالة من الخمول الفكري في تحليل الظواهر ، و كسل في بحثنا عن المتغيرات المساهمة في انتاج تلك الظواهر، و هذه ميزة في العقل الخرافي الاسطوري ، الذي يعوز للطبيعة تفسير كل شيء من حوله . 

دعونا نعود الى السياق السياسي لليمن ، و نستعيد ذاكرتنا المفقودة . 

لماذا تلك المناطق ؟


في سبعينات و ثمانينات القرن الماضي ،و بعد انعقاد مؤتمر خمر و مركزة عمران و مؤتمر الجبهة و مركزة المناطق الوسطى و تحديدا مدينة جبلة ، تم اغتيال الحمدي من قبل مؤتمر خمر الذي يتبع السعودية ، و خاضت اليمن شمالا حروب الجبهة ، و تركزت الجبهة في المناطق الوسطى ( اب ، تعز ، وصاب ، رداع ، الحديدة ) و شملت ايضا صنعاء ( ارحب و حرف سفيان) و صعدة و البيضاء و مأرب . 
قامت الجبهة على حامل فكري الاشتراكية و القومية في صراعها مع سلطة النظام الجديد الذي شكلته السعودية ، قامت على محاربة الاقطاع و الاستغلال و تحديث المجتمع و تطويرة زراعيا و اقتصاديا، و استعادة مسار اليمن من مسارها السعودي ، لكن مؤتمر خمر واجه الجبهة و اتحد مع حامل ديني قادم من السعودية و بدعم سعودي متمثل بالاخوان ، و استطاع هذا التحالف هزيمة الجبهة و الانتصار للمشروع السعودي في اليمن ، و قاموا بتحويل مسار المعركة من معركة رفض وصاية الى معركة بين الايمان من جهة و الكفر و الالحاد من جهة اخرى .
بعد ذلك الانتصار ، كان لابد للمسار السياسي السعودي في اليمن ، ان يعمل على مشاريع متعددة في تلك المناطق ، من اجل القضاء على تلك الحقبة في ذاكرتهم الجمعية ، و الحيلولة دون عودتها مرة اخرى بعملية غسيل شامل ، و ربطهم بالمسار السعودي السياسي ، و تمثلت تلك المشاريع باشكال عدة ....فكرية و دينية و اقتصادية و سياسية و اجتماعية و الخ .

المشروع الفكري و الديني 
تمثل هذا المشروع باغراق تلك المناطق بالجمعيات الدينية و التي كانت تهتم بالنشىء و الاطفال ، و سمحت الدولة بانشاء المعاهد الدينية التي كانت مفصولة في منهاجها عن المدارس الحكومية ، تولت تلك الجمعيات و المعاهد مهمة تكوين الاجيال الجديدة بحيث يسير في نفس خط الجماعات الدينية الممولة من السعودية و جمعياتها ، و هذا المشروع كان يعول عليه عمل غسيل دماغ لتلك المناطق و ازالة الحقبة الاشتراكية و افكارها و تجريمها من وعيهم و ذاكرتهم ، فتقريبا الاعمار ما بين 10 سنوات و حتى 40 سنة في تلك المناطق ، قد تعلم و تربى و احيط بذلك المشروع الديني و الفكري ، ومن الطبيعي ان يتماهوا مع خطاب الجماعات الدينية ، و تاكيد ذلك ان اجيال بعمر 20 سنة في تلك المناطق مازالوا ينظرون الى حقبة الحمدي انها حقبة كفر و الحاد و خمور بشكل كبير، و هناك تماهي مع الخطاب الديني القادم من شيوخ السعودية . و تحولت تلك المناطق الى مراكز لتصدير المجاهدين الى افغانستان و الشيشان و كشمير ، و هولاء المحاربون تم استيعابهم في السلك العسكري في ما كان يسمى الفرقة مدرع، و يملكون رتب عسكرية كبيرة و جميعهم تم صرف اموال لهم من السعودية ، و هولاء لهم حضور كبير في مناطقهم و التي معظمها مناطق الجبهة القديمة . 

لاحظ جيدا مناطق الجبهات ، و لاحظ مدى توسع و تركز الجمعيات الدينية و الجماعات الدينية فيها ، فالمناطق الوسطى اكبر حاضنة للاخوان و للجمعيات الدينية السلفية ، و رداع تحولت الى مركز مقدس للقاعدة ، و ارحب تحولت مركز مقدس للاخوان بفضل الزنداني ، و البيضاء تحولت الى مركز لجماعات دينية تكفير و هجرة ، و صعدة تحولت الى مركز مقدس للسلفين ، و زبيد ايضا اصبحت حاضنة اخوانية . فتم الربط الفكري و الديني بالسعودية .

اذن فهذا المشروع الديني و الفكري الذي تم عمله في هذه المناطق ، لم يكن منتج محلي ، قام الانسان اليمني بانتاجه من ادوات محلية، بل كان مجرد مشروع خارجي تم احلاله في اليمن ، لخدمة مسار سياسي دولي فقط . 

المشروع الاقتصادي 
تمثل المشروع الاقتصادي بتسهيل كبير لابناء تلك المناطق بفرص العمل في الخليج و السعودية، فاصبح المواطن رزقة مرتبط بالسعودية ، و تلاحظ ان معظم العمال في السعودية من ابناء المناطق الوسطى ، و هذا المواطن يعول اسرة كبيرة ، فتحول العمل في السعودية الى اقتصاد كبير يعول افراد كثير من اليمن، و ليس هذا فقط ، بل ان العامل اليمني اصبح في وضع يسمى كفيل ( جملة لتحسين كلمة عبد) ، و لا ننسى ان هولاء العمال سيعودون لليمن و هم يحملون نفس النمط الفكري و الديني و السياسي المحيط بهم ، و تم الربط الاقتصادي مع السعودية .

المشروع السياسي 
فهو وجود حزب الاصلاح الذي لديه حاضنة كبيرة في مناطق الجبهة ، اب ، مارب ، رداع ، ارحب ، ريمة ، وصاب ، تعز، و كما يعرف الجميع فان من مبادىء حزب الاصلاح الاساسية العمل على تعزيز و تقوية العلاقات بين اليمن و السعودية . فتم الربط السياسي بالسعودية .

المشروع الاجتماعي 
فهو وجود شخصيات قبلية و سياسية و اجتماعية تتحصل على مال سعودي ، في ما يسمى اللجنة الخاصة، و وظيفة هذه اللجنة هو اعطاء اموال لتلك الشخصيات كي تحافظ على ربط مسار تلك المناطق بمسار السعودية ، فشيخ القبيلة في اليمن يملك سلطة تاريخية يستطيع بها توجيه مناطق نفوذه نحو السعودية من خلال الربط المالي له . و تم الربط الاجتماعي مع السعودية . 
مع ملاحظة مهمة و هي انه بعد انتصار مؤتمر خمر و الجماعة الدينية على الجبهة ، تم منع ابناء تلك المناطق بصورة غير مباشرة من الترقي في السلك العسكري تقريبا، هذا المنع في البداية كان خوفا من عودة الجبهة او عمل اي انقلاب على السعودية في اليمن ، لان معظم مقاتلي الجبهة كانوا ضباط و جنود في السلك العسكري في اليمن .

اليمن عام 94
بعد انتصار ادوات المسار السعودي في اليمن في حرب 94 المتمثل بمؤتمر خمر و الاخوان ، و الذي انفجر بالبداية من عمران مركز مؤتمر خمر، و هو نفسه الذي انتصر على الجبهة في الامس بنفس الطريقة و الادوات و الوسائل و الافكار ، حدث للجنوب تقريبا نفس ما جرى بالامس مع مناطق الجبهة ، فقط كان لابد من عمل مشاريع لربط الجنوب بالمسار السعودي ، فكريا و دينيا و اقتصاديا و سياسيا ، و ازالة و محو الحقبة و الافكار الاشتراكية ، فتم تسريح الضباط الجنوبين خصوصا من الضالع و يافع ، و اغراق تلك المناطق بالفكر السلفي ، و تسهيل فيز العمل لابناء تلك المناطق ، و يحضى الان كثير من شيوخ القبائل من يافع و الضالع بعلاقات قوية بالسعودية، فحدث الربط الفكري و الاقتصادي و السياسي والاجتماعي و اصبحو يسيرون في نفس المسار السعودي في اليمن . 

تلك المشاريع يتميز كل منها بخاصية مهمة ، و هي العبودية الصارخة، فالدين في عقول الناس تحول الى علاقة عبودية كعبودية الانسان للانسان ، فاصبح الناس عبيد لشيوخ دين الممثلين لله، و اصبح المواطن اليمني مستعبد من قبل رجال دين في السعودية، يستمعون لهم في كل شيء و كل امر و يؤمنون بهم بطريقة عمياء ، اما الاقتصاد فتحول الى عبودي و اصبح اليمني يفرح بان يحصل على كفالة( عبد) في السعودية، و اصبح رزق الانسان اليمني مرتبط بعلاقة استعباد، يخاف اليمني على السعودية اكثر من خوفه على اليمن ، خوفا على رزقة و يتحمل اي اهانة او قوانين ظالمة سعودية المهم رزقة، مع العلم بان نظام الكفيل هذا تصفه كل المنظمات الدولية بانه ضد الانسان و قوانين عبودية قبيحة، و تحول اليمني الى مجرد عامل و شاقي ، لان السعودية سعت من خلال ادواتها في اليمن الى عدم خلق اقتصاد قوي لاستيعاب تلك العمالة، اما من ناحية الوضع الاجتماعي فالشيخ الذي يستلم مال هو مسؤول عن جماعة في نطاق نفوذه القبلية و يستند على قوة تجعله يمارس اي دور في ذلك النفوذ و تجعله فوق القانون . 

اذن فهذه المشاريع العبودية ترابطت و تفاعلت ، لتشكل المسار السياسي للسعودية في اليمن ، فتشكلت اجيال داخل هذا المسار و تغذت منه فكريا و سياسيا و اقتصاديا ، و تكونت افكار قائمة على قاعدة ذلك المسار ، و تركزت بشكل كبير في تلك المناطق تقريبا ، و اصبح الكثير يجهل انه تحت طائلة مسار سياسي خارجي، و انه فكرة و عقيدته و اقتصادة و سياسته من حوله تشكل في خيال استراتيجية السعودية داخل اليمن ، حتى هذا اليوم الذي تصبح السعودية لها اليد في ترتيب الوضع الداخلي لليمن بدون اي اعتراض من تلك الاجيال ، و اصبح الجميع في تلك المناطق يتماهى مع الخطاب القادم من السعودية سوى كان سياسي او ديني او اعلامي او فكري او اي حلول قادمة من هناك . 

كل تلك المشاريع الاستعبادية امتزجت و تفاعلت لتشكل مسار السعودية في تلك المناطق ، و وجدت من الاعلام النفطي المحيط بنا من كل مكان منبر يعبر عنه و يعبر عن ارتباطه الواضح بالمسار السعودي ، فما يطلق عليها مقاومة في تلك المناطق ، انما هو مقاومة تتبع مسار سياسي سعودي فقط، لمسار سياسي غير مرتبط بالسعودية .

و هذا هو السبب وراء رؤيتنا لناس من تعز و يافع يرفعون صور ملك السعودية ، و يقولون شعار : شكرا سيدي سلمان لانك تقصفنا.

شعار العبودية الجلي ، و المعبر تلقائيا عن مسار السعودية السياسي في اليمن .
.