‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمار. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

الغرب و الفاتيكان خلف المذابح البشرية في رواندا

رواندا و تعني بلاد التلال الالف، دولة روندا تقع في شرق وسط افريقيا  بمنطقة البحيرات العظمى ، و عاصمتها كيجالي ، تحدها تنزانيا و اوغندا و الكونغو و بروندي ، وتعد رواندا منبع نهر النيل. مساحتها تصل الى 26000كم ، و عدد سكانها يصل الى 7 مليون نسمة،  و تعتبر روندا من بين اكبر الدول في الكثافة السكانية.

حصلت رواندا على استقلالها من الاحتلال البلجيكي عام 1962م.

تمتاز رواندا بالطبيعة الخلابة ، و التلال الجميلة و وفرة في الحياة البرية ، و تعتبر السياحة اكبر دخل اقتصادي في البلاد

تشتهر رواندا بالكثير من الاشياء، لكن الشهرة الاكبر التي حصلت عليها رواندا، سببها الابادة البشرية الابشع التي جرت فيها في عام 1994.

الابادة البشرية في رواند

- في العام 1993 اغتيل رئيس بروندي الذي ينتمي الى الهوتو، و تسبب ذلك الحادث في مجازر كبيرة للتوتسي ، و هاجر اكثر من نصف مليون الى الدول المجاورة .

- و في العام 1994 تحطمت طائرة تقل رئيس بروندي و رواندا،
تم تفسير الحادثة بان وراءه التوتسيين، وبدأ القتل في اليوم نفسه في عموم البلاد طوال مدة 4 اشهر .

انتشرت في جميع أنحاء البلاد ميليشيات مسلحة بالبنادق والمناجل ، كان الناس يقتلون جيرانهم المجاورين لهم منذ زمن طويل، وكان أفراد الأسرة يخون بعضهم بعضًا، وكذلك تم إضرام النار في كنائس مزدحمة باللاجئين. عصابات تحمل سواطير و سكاكين، ترتكب مذابح و مجازر على طول البلاد، و جثث متراكمة فوق بعض كاكوام الحطب، قتل  خلال 4 اشهر  حوالي  مليون شخص تقريبا كان معظمهم من التوتسي، و اكثر من مليون شخص نازح الى الدول المجاورة .

ما هي اسباب تلك الكارثة ؟

اعتقد ان هذا هو السؤال الاهم لفهم تلك الكارثة ، لان الموضوع من اساسه ليس صراع قبلي ابدا، الموضوع اعمق، هناك سبب قوي ادى الى تلك الكارثة، ، هناك سبب منطقي و قوي يفسر ذلك التوحش و الكراهية ..... بينما الاعلام الغربي و التابع له ، يحاول تغافل ذكر الجهة الحقيقية وراء تلك المجازر و الحروب ، و  يحاول تصوير الموضوع على انه صراع قبلي  .

الجهة الحقيقية وراء ذلك الصراع

لماذا تتصف بعض الانظمة بالبقاء و الاستقرار على حالها ، بينما تتعرض انظمة اخرى للتغيير؟

ذلك السؤال نتج عنه اسئلة اخرى كثيرة ، و قاد التفكير الى تاسيس علم جديد يسمى علم الفوضى ، و الذي اهتم بدراسة و وصف الانظمة العشوائية رياضيا و فلسفيا و منطقيا .

في علم الفوضى ............ يصادفنا مصطلحات كثيرة، من بين تلك المصكلحات  معامل اللانتظام او معامل الفوضى، ذلك المعامل يصف الانظمة المستقرة او الفوضوية ، و كلما زاد معامل اللاانتظام كلما زادت فوضى النظام . 

و هناك مصطلح الانظمة المستقرة ، و الذي يتناول الطرق و الوسائل التي نستطيع فيها تحويل نظام مستقر الى نظام غير مستقر ، و كيفية استعادة الانظمة الغير مستقرة التي تعرضت الى متغيرات خارجية جعلتها في وضع غير مستقر الى وضع الاستقرار . و يخبرنا هذا العلم ، عن حقيقة بان جميع الانظمة الطبيعية في سعي نحو الاستقرار .

هل يمكن لذلك العلم وصف انظمة اخرى غير فيزيائية؟

اعتقد ان هذا العلم يستخدم اليوم في جوانب كثيرة ، فهو  يستطيع تفسير و شرح ظواهر كثيرة من حولنا ، و لا تخلو أي منظومة كانت من تطبيقات ذلك العلم ، بما فيها الانظمة الاجتماعية ، الاقتصادية ، البيلوجية، البيئية و السلوكية. بل يستخدم في هندسة المجتمعات و الشعوب و في صناعة الفوضى . 

و هنا الخطورة عند اللعب بالبنى الثقافية و الاجتماعية ، لانها ستؤدي الى كوارث و فوضى كبيرة، فحالة التوازن التي وصلت اليها المجتمعات هي بسبب تلك البنى الثقافية والاجتماعية، و نقصد بذلك التوازن، العلاقة بين الانسان مع محيطه الاجتماعي و الطبيعي ( الانسان و البيئة) .

قصة الهوتو و التوتسي

الهوتو و التوتسي قبيلتان تتواجدان في شرق افريقيا ، تحديدا في رواندا و بروندي و اوغندا و الكنغو. يمثل الهوتو نسبة 80 % من سكان رواندا ، و يمثل التوتسي نسبة 20%. و بين القبيلتان تاريخ مليء بالتنافس و الصراع.

ما اسباب ذلك الصراع بينهما ؟

الحقيقة ان المستعمر  هو سبب الصراع بين القبيلتين، بل ان الحقيقة الاكثر غرابة ، ان  تلك القبيلتين من صناعة المستعمر . 

نعم هو من صنع تلك القبيلتين و صنع الصراع بينهما

كيف ؟

حين قدم المستعمر الى تلك المنطقة ، و جد مجتمع مستقر تحكمة محاكم اجتماعية تنظم الحياة ، لكنه وجد في ذلك المجتمع مجرد نظامين اجتماعيين متعايشين مع بعض ، النظام الاول رعوي يسمى التوتسي و كانوا اقلية، و الثاني نظام زراعي يسمى الهوتو و هم الاكثرية.

المستعمر كعادته الدائمة،  قام باللعب بتلك البنى الاجتماعية و الاقتصادية ، فقام بمحاباة احدهم و هم التوتسي ، و جعلهم اداة بيده لتطويع الهوتو، اعطاهم امتيازات ضخمة و مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية ، و جعلهم بطبقة رفيعة مقارنة بالهوتو.

لكن الشيء الغريب عندما قدم المستعمر الاوروبي لاول مرة الى تلك البلاد ،  لم يكن يستطيع التمييز بين الهوتو و التوتسي، فاعتمد على نظام معين في الشكل المميز للوجه و الجسم ، و استخدم ذلك النظام في اصدار بطائق للتوتسي الاقلية العدد ، و من لا يحمل تلك البطاقة فهو من الهوتو. و اصبح كل من يحمل تلك البطاقة فهو من علية القوم و له الاحقية و الامتيازات دون بقية السكان. و المضحك في القصة ان ذلك المعيار الذي قام الاستعمار باعتماده، جعل بعض الافراد من الاسرة الواحدة من التوتسي و الاخرين اصبحوا من الهوتو. و بموجب تلك البطاقة تم عملية احصاء للتوتسي في تلك المناطق، و اصبح من يحمل تلك البطاقة فهو يحضى بالمكانة الاجتماعية الاكبر،  و سلطة القوة المعتمدة على المستعمر .

المؤسف ان تلك البطاقة،  كانت الوثيقة التاكيدية التي اعتمدتها العصابات في مذابح رواند في ايجاد افراد التوتسي ، فالاسر التي تحمل تلك البطائق او ورثوا تلك البطائق من الاجداد ، فهم من التوتسي ، فاصبحت تلك البطاقة محل رعب من يحملها بعد ان كانت محل افتخار  .

لقد كان المستعمر هو السبب الحقيقي وراء صناعة هذا الصراع ، نعم الاستعمار كان اهم سبب  لتلك الكارثة البشعة ، هو من لعب بالتراكيب الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و هو من خلق و اسس للتمييز و التصنيفات في المجتمع و قام بتنميتها و تغذيتها و تضخيمها.
لقد دخل المستعمر و وجد مجتمع متوازن ، ثم خرج المستعمر بعد ان رفع معامل الفوضى و اللاانتظام في المجتمع المنتظم الذي دخله ، و خرج المستعمر من البلد و هو غير متزن،  و من الطبيعي ان يحدث بين الفئتين صراع ،  خصوصا و ان تلك المنطقة تعتبر من اعلى معدلات الخصوبة في العالم ، و الاراضي محصورة بايدي فئة قليلة من المجتمع ، مقابل فئة اخرى تتميز بمعدل مرتفع في المواليد ، و لا تملك اراضي كافية يعطي غذاء لتلك الزيادة في المواليد، و هذا يشرح ذلك المبدأ الطبيعي بان أي نظام يرتفع فيه حالة اللاستقرار ، فانه يسعى الى الاستقرار ، او بمعنى اخر يسعى الى علاج ذلك الوضع بالاستقرار، لكن المعالجة كانت بشعة.

اما في عام 1994 ......... فكان المستعمر ايضا وراءها ، فقد كانت فرنسا و الفاتيكان السبب الاول وراء انفجار الصراع و بلوغة الى اوج وحشيته.

ففرنسا كانت تعرف جيدا طبيعة ذلك الصراع الذي خلقة المستعمر في الماضي ، و هي من كانت وراء حوادث القتل التي كانت تقع للروساء، عبر مخابراتها لتفجير الوضع هناك. و كانت المليشيات المسلحة تتلقى دعم من قوات فرنسية .

و مازالت رواندا تتهم فرنسا بانها كانت داعم رئيسي لتلك المجازر، و تتهم فرنسا بالتستر على بعض قيادات تلك المليشيات . و هذا هو السبب وراء تخلي رواندا عن فرنسا، و دخولها الى منظمة الكومنويلث و هي التي لم تكن يوما مستعمرة بريطانية .

و كذلك الفاتيكان كان له دور في تلك المجازر

فمعظم سكان رواندا يعتنقون المسيحية، 48 % كاثوليك و 49% بروتستانت، و كانت معظم الكنائس لها دور اعلامي كبير في تاجيج مشاعر الكراهية و القتل والذبح قبل انفجار الوضع و بعد انفجار الوضع ، و شارك بعض القساوسة في القتل و بعضهم قاموا باخفاء مجرمين و قتله .

و قد اعتذر الفاتيكان قبل سنتين تقريبا عن دور الكنيسة في مجازر رواندا. ( اعتذر و ينتهي كل شيء )

صمت العالم 4 اشهر على تلك المجازر

لكن تلك الوحشية و الكراهية العامة التي غطت رواندا 4 شهور، لم يمنع من حدوث قصص شاذة فيها ، و التي استقطبت مراكز الابحاث الغربية لدراستها، و طرحت تساؤالات كثيرة  بحثا عن جواب حول اسباب حدوثها ، عندما قام المسلمين من قبيلة الهوتو ، بايواء العديد من افراد التوتسي و قاموا بحمياتهم من عصابات القتل، فهم الوحيدون الذين لم يقعوا ضحايا الكراهية الذي صنعها المستعمر، و هذا الشيء جعل نسبة الاسلام في رواندا تزيد من 1.5% لتصبح 14% ......  فبعد عام 1994 توجه الكثير من الرواندين الى الاسلام .

.
.

الاثنين، 18 يونيو 2018

استحالة فصل الحداثة الاوروبية عن الاستعمار

حوار مع رامون غروسفوغل: عن استحالة فصل الحداثة الأورومركزية عن الاستعمار - ترجمة: البشير عبد السلام

أدار الحوار: فرانسيسكو فرينانديز

*** لماذا تعتقد أن الحداثة وُلدت في مسار استعماري ؟

– هذا موضوع يطول شرحه ، لأن له أبعاد كثيرة ، ليس فقط – إن شئنا القول – على مستوى البُعد المؤسساتي، بل ثمة أبعاد روحية ، ابستيمولوجية ، بيداغوجية ، اقتصادية و سياسية ، فمنذ البداية كان للحداثة أبعاد متعددة و هنا بيت القصيد ، أما متى بدأ مشروع الحداثة ؟ فالجواب يكون مختلفا باختلاف تموقع السؤال و من خلاله يتم رسم جينيالوجيا متعددة لأصل الحداثة ، فمثلا فلو أنك بصدد الحديث مع فرنسي أو مع من مرجعيته عن الحداثة فرنسية فأكيد أنه سيُرجع أصلها إلى سنة 1789 أي إلى الثورة الفرنسية على النظام القديم ، و لو تحدثت مع بريطاني فسيُخبرك أنها بدأت مع ثورة 1648 غداة صلح وستفاليا peace of westphalia ، و جميع هذه السرديات تعتبر سرديات لتجميل الحداثة .

*** ما دور هذه السرديات التجميلية ؟

– إنها تسعى لإخفاء الوجه القبيح للحداثة ، فلو نظرنا للموضوع من ناحية أمريكا اللاتينية و دول الجنوب ، لوجدنا أن مسار الحداثة انطلق مع التوسع الاستعماري للعائلة الملكية الكاثوليكية عام 1492 ، و تكمن قيمة تحديد انطلاق الحداثة مع نهاية القرن الخامس عشر و كامل القرن السادس عشر حيث كانت اسبانيا مركزا للنظام الدولي الجديد وقتها ، أنّه حينها تمّت مقاربة كل مواضيع الحداثة من دون إخفاء وجهها المظلم كما سيحدث لاحقا مع خطابات التنويرين الذي سيحتفون بالحداثة كخطاب تحرري ، مُغطّين وجهها القبيح و المشوّه المتمثل في الاستعمار .و قد كان ثمة نقاش علني خلال القرن السادس عشر عن كل ما تمّ إخفاءه و الخجل منه لاحقا بعد أن تحوّل مركز النظام الدولي من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو الشمال الشرقي لأوربا غداة حرب الثلاثين عاما ، و تحوُّل هولندا على إثر ذلك إلى محور هذا المركز ، و هناك بدأ مسار آخر يسعى إلى الطلاق مع القرن السادس عشر و دور اسبانيا في إنشاء الحداثة / الاستعمارية ، و القيام بموازاة مع ذلك بتطوير سرديات تجميلية عن الحداثة ، عمدت إلى إخفاء وجهها الاستعماري القبيح و الذي هو في حقيقته جوهر الحداثة الأورومركزية ، فغذاة سيطرة هولندا خلال القرن السابع عشر ستبدأ سلسلة من السرديات تقدم الجنوب الأوربي كمنطقة تسكنها أعراق دونية ، و هكذا سيتعرض الايبيريون لنفس التصنيفات العنصرية التي استعملوها خلال القرن السادس عشر ضد الأفارقة و السكان الأصليين في أمريكا و المسلمين و اليهود ، و سيرتد كيدهم إلى نحورهم في اسبانيا و البرتغال ، و قد كان هذا الفعل العنصري الأخير ضروريا لأجل التبرؤ – من داخل الشمال الشرقي- من أصل الحداثة وتاريخها.

*** سأسألك لاحقا عن السرديات التي تم الشروع في حبكها عن الجنوب الأوربي ، لكن دعني أسألك الان عن المواضيع التي تمت مقاربتها خلال القرن السادس عشر؟

– خلال تلك الفترة بدأ في اسبانيا النقاش حول القانون الدولي ، و كذلك حصل جدل كبير حول المواضيع التي عرفتها أوربا لاحقا، و أقصد مناظرة بلد الوليد حول إن كان للسكان الأصليين روحا أم لا ، و هو حوار عنصري ، و موقف سيبولفيدا sepulveda يندرج في نطاق العنصرية البيولوجية و الذي يرى أن السكان الأصليين لا روح لديهم و من ثم فحسب منطق الرب فلا ضير من استعبادهم و اقتراف كل الجرائم بحقهم و يجب اعتبارهم و كأنهم بقرا ، حميرا أو جيادا لا يدخلون دائرة العمل إلا بالقوة .هذا و على الطرف الاخر من المناظرة نجد لاس كاصاص las casas الذي يقول أن السكان الأصليين هم برابرة يجب تنصيرهم ، و من ثمّ فنحن هنا أمام خطابين كلاهما عنصري ، الأول ذو غلاف بيولوجي و الثاني ثقافوي ، و هما من سيحددان طبيعة العنصرية و تمظهراتها لاحقا. لكن إبان القرن التاسع عشر و مع علمنة السلطة و المعرفة في اتجاه تزييفي ، انتقل النقاش من الحديث عن ” شعوب بلا روح ” إلى ” شعوب بدون حامض نووي ADN إنساني ” ، بمعنى أنها شعوب لا تتوفر على جينات إنسانية خاصة ، تؤهلها للخوض في العلوم البيولوجية و الطبيعية ، و هكذا و مع تطور العلوم الاجتماعية و الانتروبولوجية تم الانتقال من خطاب ” لاس كاصاص ” عن الشعوب البربرية الواجب تنصيرها إلى خطاب الشعوب البدائية الواجب تمدينها ، و بالنظر للخطابين في مناظرة بلد الوليد نفهم العنصرية المعاصرة ، و كيف تأسست الحداثة بعلاقة مع احتقار عنصري لباقي الشعوب. و هذا تم نقاشه بكل وضوح خلال القرن السادس عشر، لكن غداة تحول مركز النظام الدولي المؤسَّس على الاستعمار نحو الشمال الشرقي تم القفز على هذا القرن و على اسبانيا ، و نسيان كل النقاشات المواكبة لما بعد حرب الاستعادة ، و باختصار لكل ما يتعلق بنشأة الحداثة ، حتى يتم الترويج لفكرة الحداثة كمشروع تحرري ، بيد أنه من وجهة نظر مناهضة للاستعمارية فالحداثة هي مشروع تحضُّري كان منذ نشأته في القرن السادس عشر مشروعَا إباديا و استعماريا و أورومركزيا . و على هامش آخر فحتى الفكر الأوربي نجده قد تأسس على قراءات لفلاسفة القرن السادس عشر اليسوعيين ، فمثلا ديكارت قرأ لسواريز ، و لوك قرأ مناظرات سيبولفيدا و لاس كاصاص ، و حتى غروت Grote الذي يعتبر أكبر منظِّر للجغرافيا السياسية في هولندا كان قارئا نهما للفلاسفة اليسوعيين ، و من ثم فتأثير اسبانيا كان شديدا و كل هؤلاء كانوا يشربون من معين القرن السادس عشر الاسباني ، الذي تم التنكر له لاحقا في محاولة لبدء الحداثة من نقطة جديدة زمانا و مكانا ، و لإمكانية خلق خطاب تجميلي للحداثة كمشروع تحرري يقدم أوربا على أنها منطقة تمكنت بمجهودها الخاص من إحراز هذه الثروة التي تملكها و هاته الحريات التي تتمتع بها و هذا الاستقلال الذاتي . ليبدو مع هذا الخطاب عن الحقوق الفردية ، و الثروة عن طريق العمل، و المبادرة الشخصية أن الحداثة لم تشهد سيطرة و استغلالا و احتقارا لباقي الشعوب.

*** كيف إذن يمكننا كشف ملامح هاته السرديات التجميلية للحداثة ؟

– إن جميع هاته السرديات تُعتبر كمحاولة لاعتبار الحداثة مشروعا للتحرر و للرفع من المستوى المعيشي و ثراء تلك البقعة من العالم ، لكنها تتجاهل كيف تمّ ذلك ، تتجاهل سيطرة و استغلال أوربا لباقي العالم و من ضمنها القارة الأمريكية ، فإذا بدأنا من عام 1492 فلن نجد مهربا لإخفاء الوجه الحالك لمسار الحداثة المرتبط بالتوازي مع الاستعمار ، فكل ما يُدعى ” مشروع الحداثة ” بدأ مع ما سُمي باكتشاف العالم الجديد ، و ما خلفه ذلك من ثراء و تراكم الرأسمال على الصعيد العالمي الذي بدأ مع اسبانيا ثم انتقل لاحقا إلى باقي أوربا ، حتى أن باقي الامبراطوريات لم تقم إلا باقتفاء أثر اسبانيا و تقليد مسارها الذي بدأته خلال القرن السادس عشر ، و هاته المغامرة التي خاضتها اسبانيا ، قامت كل من انجلترا و هولندا و فرنسا بمحاكاتها بعد قرن ..و لكن بالعودة إلى سؤالك ، فإن خطاب تزيين الحداثة تم تعديله في باقي العالم و النظر إليه كحدث طبيعي و امتياز أوربي دون التنبيه إلى الاستغلال الاقتصادي و الابستيمولوجي فيه.

*** أين يتجلى هذا النهب الإبستيمولوجي ؟

– لقد سرقوا المعارف والعلوم من باقي الشعوب ثم أعادوا تدويرها و نسبوها لأنفسهم على أساس أن العلم كان شيئا خاصا بهم و بطبيعتهم كأوربيين ، مع أن أوربا و حتى القرن الخامس عشر كانت قرية مظلمة مهمّشة من قبل باقي العالم ، فعلم و تطور القارة جاء بفضل حضارات أخرى ، جاء من حضارة الهنود في أمريكا و من الحضارة الصينية و الاسلامية و الهندية و الافريقية ، و كل هاته المناطق كانت تعرف تطورا اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و علميا ضخما ، فيما كانت أوربا مهمشة و فقيرة مقارنة بالاخرين ، و أضيف أنها كانت رجعية و ظلامية ، ففي الوقت الذي كانت محاكم التفتيش تحارب العلم هناك ، كان العالم الاسلامي يبرع في علم الفلك و البيولوجيا و الفلسفة ، و لكن تم حجب كل هذا لصالح تجميل الحداثة الأورومركزية.إذن ليس ثمة حداثة بلا استعمار و بدون سيطرة و استغلال لباقي العالم ، و بدون نهب اقتصادي و معرفي له ، الحداثة ليست مشروعا تحرريا ، هي كذلك فقط بالنسبة ل 20% من ساكنة العالم ، الذين يتمتعون بامتيازات و فوائد هذا المشروع ، و حتى في القارة الأوربية فالبعض لايصله سوى الفتات من ” المتفوقين عرقيا ” عنهم ، بمعنى أنه تاريخيا فقد انتفعوا من نهبهم لباقي العالم .إذا نظرتَ للحداثة كما يصفها البريطانيون الفرنسيون أو الألمان فإنك سترى نوعا مما يشبه ديموقراطية أثينا لكن على صعيد عالمي ، هاته الحريات هي لأجل أناس محدودين ، يحق لهم فقط التمتع بالديموقراطية و الثروة و يجب ترك باقي العالم خارج أسوار أثينا. و طبعا فباقي العالم هو شرط إمكانية هاته الديموقراطية لأنه منبع ثراءها ، فمنافع الحداثة في يد أقلية ، و لكن عوض أن يقولوا لك : لدينا هاته الامتيازات لأننا سرقنا الاخرين ، سيقولون لك أنهم حصلوا على ذلك بسبب أنهم عقلانيون ، و أنهم نشيطون اشتغلوا بتفان مع بعضهم البعض أو لأن لديهم علماء اكتشفوا المعارف و العلوم .

*** و ماذا عن النهب الاقتصادي ؟

انظر مثلا إلى الثورة الصناعية البريطانية ، إنها خدعة كبيرة ، بدايةً لأن أول ثورة صناعية في التاريخ لم تحدث في أوربا ، فالصين و الهند كانتا متقدمتان في ميدان الصناعة و النسيج قبل أوربا و قبل انجلترا ، فماذا فعل البريطانيون ؟ إنهم قاموا بتفكيك معامل الهند أثناء استعمارها و دمروا كل القاعدة التصنيعية و سرقوا التكنولوجيا و أعادوا تركيبها في ليفربول و لندن و مانشستر ، ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ الذي حدث هو أن المنتصر هو من يكتب التاريخ و هو من روى لنا خرافة الثورة الصناعية و مركزية أوربا فيها ، ثم قدّموا لنا سلسلة من العلماء على أنهم عباقرة انجليز ، و لحد الان لازلنا نقرأ في كتب التاريخ لائحة العلماء الذين اخترعوا الالة الفلانية أو الأخرى ، في حين قام هؤلاء فقط بسحب الماكينات التي سرقوها من الهند نحو بريطانيا و تطويرها ، و هذا التطوير كان دافعه الأساسي هو احتكار الانجليز للسوق العالمية سيما مع تدمير القاعدة التصنيعية لمنافسهم و سرقة تكنولوجيته ، و هكذا أوهموا العالم أن الثورة الصناعية بدأت معهم ، و بالضبط في انجلترا ، و بعبارة أخرى فقد حدثت الثورة الصناعية لأن عبقرية البريطاني تفوق باقي سكان العالم ، و لهذا تمكن البريطانيون اختراع كل هاته الالات …و مع ذلك ظلت الصين حتى القرن التاسع عشر كمشكلة لهم ، فشنوا عليها حرب الأفيون الشهيرة ، حيث سيدمر البريطانيون القاعدة التصنيعية التي بقيت ، تحت ذريعة حماية حرية التجارة ، ثم اخترعوا لاحقا سردية تاريخية عن مسار التصنيع مُخفين الوجه القبيح له ، مثلما يخفون أنه مسار قام على أكتاف عبيد أمريكا الشمالية و الكرايبي ، و إلا من أين كان يأتي القطن ، أليس من مزارع جنوب الولايات المتحدة ، و من أين كان يأتي السكر كي يظل العمال يشتغلون 16 ساعة يوميا ؟ أليس من الكرايبي ؟ و من كان يقوم بهذا العمل ؟ أليس العبد الإفريقي ؟ هذا ما لا يقولونه لنا حين الحديث عن الحداثة ، و عوضه يقولون أن التصنيع في أوربا كان ثمرة لعباقرة أوربيين من غير علاقة له بباقي شعوب العالم و هذا ما هو شائع لحد الان .

*** نعود إلى نقطة أشرت إليها في البداية ، ما هي طبيعة السرديات التي حيكت عن الجنوب الاوربي ؟

في منتصف القرن السابع عشر و بعد حرب الثلاثين عاما مع هولندا ، فقدتُم أنتم الاسبان دور البطولة ، و أصبحتم منذ ذلكم الحين دولة خاضعة و مُحتقَرة عرقيا من الأوربيين الشماليين ، و الان مع الأزمة المالية يقولون أنكم كُسالى و فاسدين و هذا سبب أزمتكم ، لا يتحدثون عن أن نهب و سرقة المركز المالي هو سبب الأزمة بل السبب هو طبيعتكم كاسبان ، و هو نفسه خطابهم نحو العالم الثالث. لقد عشتم ” أمل ” أوربا لخمس و عشرين سنة ، و الان انتهى الأمل ، و هذا “العشم ” في أوربا لم يكن لدى الأجيال التي سبقت دخول اسبانيا الاتحاد الأوربي ، هؤلاء كانوا يدركون الحقيقة جيدا ، ليس فقط لأنهم هاجروا إلى هناك و لكن أيضا للتفقير الذي عانوه في اسبانيا بسبب الشمال ، و ما كان يصاحبه من خطاب عنصري نحوهم ، و لكن للأسف بلع شباب اليوم الطُعم ، و ظنوا أنهم أيضا أوربيين و جزء من القارة الغنية ، الى ان استفاقوا الان على نفس الخطابات العنصرية نحوهم التي كانت رائجة في أواسط القرن السابع عشر و الى حدود بداية الثمانينيات ، و لكن هذا الخطاب الذي ظهر ضدكم منذ أربع سنوات مارسوه طيلة 500 عام ضد جنوب العالم الذي يشهد أزمة مالية خانقة و مفروضة منذ خمس قرون.