السبت، 21 مايو 2016

ليلة نصف شعبان في مدينة إب - الشعبانية

ليلة نصف شعبان تحضى بمكانة كبيرة لدى سكان مدينة إب ، تصل الى الاحتفالية الكبيرة الممزوجة بطابع ديني، و ان كانت الاحتفالية تطغى اكثر على الطابع الديني .

 بشكل عام ....ليلة نصف شعبان لها مكانة لدى اليمنين في كل مكان في اليمن ، لكن مدينة اب تتميز عن باقي مدن اليمنية بطقوس خاصة في هذه الليلة ، و بسبب ذلك الاختلاف اصبح الكثير من سكان مدينة يتسألون عن السر وراء تلك الطقوس و العادات و اصلها.

ليلة الشعبانية ( ليلة نصف شعبان) في إب


قبل الليلة يستعد منازل مدينة اب لهذه الليلة ، بعمل الكعك و الذمول(نوع من المعجنات) و الرزنة( نوع من المعجنات) و الطنفاش( الفشار)، و اعداد وجبة العصيد لاكلها ليلا . و شراء الحلوي و المشروبات و الشمع و الفوانيس و الثياب الجديدة للاطفال، و كان قديما تقوم الاسر بنفسها بصناعة القناديل (عبارة عن قطعة من قماش تلف على شكل قلم طويل  و تغمس بالزيت و اللبان المحروق ).

لن ابالغ اذا قلت ان الفرحة بليلة النصف بشعبان كانت اعظم من فرحة الاعياد الاخرى ، ربما لتفردها بخصوصيات جميلة ، و لكثيرة الطقوس التي يمارسها الناس لاجل اتمام ليلة الشعبانية ، فهي ليست مثل باقي الاعياد التي تقتصر على زيارة الاهل فقط.

بعد غروب شمس ليلة النصف من شعبان ، تكون المنازل قد اعدت اكياس صغيرة ممتلىء بالطنفاش(الفشار) و بداخلها شكلت و مليم( حلويات) و شمعة و  كعكة ، و ثلاجات فيها مشروبات، تلك الاكياس توزع على اطفال الحارات الذين ياتون لزيارة البيوت للتمسية بليلة الشعبانية و يقدمون لهم مشروبات. اما اهل المنزل فيجتمعون و يتناولون المعجنات و العصيد ( اكل العصيد عادة قديمة) ، و اما الاطفال فليبسون الملابس الجديدة .


لكن قبل خروج الجميع من المنزل اذا لم يتاخر الوقت ، فهم ينتظرون ايقونة الليلة و هو جمل الشعبانية ( مجسم خشبي كبير مغطى بالقماش ، و معتنى به جيدا ، و بداخله ثلاثة اشخاص يقومون بحملة)، و عند حضور الجمل ، و يكون بصحبة سائس الجمل ، يقومون بفتح المسجلة على صوت ينشد تمسية شعبان ( لا اعرف ماذا تقول لكن اتمنى ان اعرف كلمات تلك التمسية) ثم بعدها يقوم الجمل بالرقص على وقع الطبول و الاطفال و سكان المنازل يتجمعون حوله و هو يرقص رقصات متناغمة مع الطبول و الليلة  ، و يقوم سكان المنازل باخذ اطفالهم و وضعهم فوق الجمل اثناء الرقص ، و الخوف و البكاء دائما ما يصاحب الاطفال عند قدوم الجمل المخيف ، و بالخصوص البنات ، فجمل الشعبانية يمثل رعب للبنات اكثر من الاولاد ، و لم يكن هناك جمل واحد ، بل عدة جمال يصنعها اشخاص عديدون ، و كان هناك الجمل الكبير و الجمل الصغير، فالجمل الكبير هم خاص بالاسر التي توارثت هذا العمل ، و الجمل الصغير يقوم بتصميمة اطفال الحارات بامكانيتهم المحدودة،  و اذا تاخر قدوم الجمل ، يخرج الجميع لزيارة الاهل بصحبة الاطفال و هم يحملون الشموع و القناديل و الفوانيس ، و يذهب الاطفال ايضا لمنازل الحارات و يدقون على ابوابها و هم يحملون الشموع و القناديل و الفوانيس، يمسون عليهم بليلة شعبانية و هم يرددون اغاني الليلة التي تقول :

ألا مساء ......ليليه يا ليلــــــــــيه. ألا مساء........ليلة الشعبانيه
ألا مساء.......جوك امسي عندكم . ألا مساء ......زوجوني بنتك
ألا مساء..... جوك امسي من يريم . ألا مساء..... بالغراره والشريم
ألا مساء..... جوك امسي من عدن . الا مساء ......طرشوني باللبن
......
......
......
......
أعلى النموذج

يحصل الاطفال على اكياس مليئة بالفشار و الكعك و الحلوى و الشمع و نقود ( حق الشعبانية) و يشربون المشروبات .

اما المساجد ، فتمتلىء بالذكر و التهاليل و رائحة البخور و ماء الورد ، و بعض الاسر تقيم موالد ذكر في منازلها.  

هذا تقريبا شكل الطقوس في مدينة اب ، التي عرفها الجيل الحديث نسبيا ، و هناك عادات اخرى كانت قديما و قد اختفت .

ما اصل ليلة نصف شعبان بشكل عام ، و ما قصة ذلك المجسم الخشبي الجمل و تلك الطقوس في مدينة إب ؟

ليلة نصف شعبان احتفال ، و يؤكد انها احتفال شكل الطقوس في مدينة اب و تشترك معها مدينة الحديدة و التي تسمى عندهم ( البهجة ) ، و من التمسية يدل على انها مناسبة فيها ابتهاج اكثر من طقس ديني ، ايضا مفردات الاهازيج و الاغاني المصاحبة لهذه الليلة ، و التي تبدا بكلمة ( الا ) و هذه الكلمة مشهورة في اغاني الابتهاج لدى سكان المناطق الوسطى ، و التي تكثر في المهاجل و الافراح ، على حسب تفسير الباحث نزار عبده غانم حول تفسيرة لتلك الكلمة التي تكثر في الاغاني و المهاجل ، و يعزوها انها لا تقال الا في الاغاني التي فيها الابتهاج و الفرح.


هل ليلة نصف شعبان طقس اسلامي ؟

ليلة نصف شعبان ليست حكرا على المسلمين ، ليلة نصف شعبان طقس يوجد في شعوب اخرى غير مسلمة ، لذلك فهو طقس اقدم من الاسلام ، لكنه صبغ بصبغة دينية اسلامية فاعتقد الجميع انه طقس اسلامي .


فالصين تحتفل بعيد يسمى عيد القمر ، و يكون الاحتفال لديهم في منتصف الشهر الثامن من التقويم القمري ، و الشهر الثامن في التقويم الهجري هو شعبان ، و يعتبره الصينين عيد قومي ،  توزع الاسر  الكعك و المعجنات و الحلوى للاطفال في  هذا العيد و يحرق البخور في المعابد ، و يحملون التنين الصيني ، و تكون الكعك على شكل القمر ، و يشتري الاطفال دمية لعروسة ، و يشعلون الشموع ، و في الشوارع يحمل بعض الاشخاص  مجسم للتنين . تقريبا يمثل التنين و العروسة و القمر اهم رموز العيد في الصين ، حيث تحكي الاسطورة الصينية تقريبا قصة حول امراه طلبت مقابل الزواج بها عمل اشياء خارقة ، فقام رجل بتغير الطقس و المناخ و اخذها الى القمر .

في احدى مناطق دولة المغرب ، في ليلة نصف شعبان ، ياخذون بنت و يلبسونها ملابس معينة و تصبغ بلون احمر و تركب فوق دابة و خلفها تدق الطبول و يتوجهون بها الى نهر ، و حين تصل تقوم بغسل نفسها و محو الصبغة من على جسمها.

اما في تونس و ليبيا فاخبرني بعض الاصدقاء هناك ، بانهم كانوا يعدون وجبة العصيد في تلك الليلة.

لنذهب الى الاسلام و نبحث عن فضل ليلة نصف شعبان .

في الدين الاسلامي هناك احاديث تنسب عن فضل ليلة الشعبانية و يقال بان في ليلة نصف شعبان تسقط اوراق البشر و تقسم الارزاق ، و هناك احاديث تتحدث بان الله ينزل في هذه الليلة و يغفر للجميع .

و هناك ادعية يشتهر ذكرها في هذه الليلة ، كثير من تلك الادعية تدعو الله  الرزق و الخير و العفو.

من يدقق في تلك الامثلة السابقة سوى كانت في مدينة اب او الصين او المغرب او تونس ، سيلاحظ تشابه في اشياء ، و هي الكعك و العروسة و الحيوان و القمر، و تمثل تلك الاشياء اهم رموز ذلك العيد سوى كانت لدى المسلمين او غيرهم .

ما اصل هذا العيد ؟

من وجهة نظري استطيع ان اقول بان اصل هذا العيد هو عيد الحصاد لدى الشعوب قديما ، و لم يكن من اصل اسلامي اتى بعد قدوم الاسلام، لكنه صبغ بصبغ دينية فحضى بمكانة مقدسة ، هي نفسها المكانة المقدسة التي كانت لدى شعوب المنطقة قبل دخول الاسلام ، اذن فهو طقس محلي صرف، حتى وان قيل فيه احاديث دينية في الاسلام.
الكعك و العصيد و المعجنات ، من نتاج الحصاد ،  هو  الخير و الرزق ، هو الحمد و الشكر على المحصول ، هو دعاء المسلم لله بالرزق و الخير و العفو دائما ، هو تقسيم الارزاق للناس كما تقول النصوص الدينية في الاسلام، هو ، و الذي يوزع للناس في مشهد احتفالي كبير شكرا و حمد على محصول هذه السنة، هو الاحتفال بمحصول هذه السنة الوفير و الجيد .  


لكن كيف يمكن القول بانه عيد الحصاد و نحن نعلم بان الزراعة مرتبطة بالشهور الشمسية و ليست القمرية ؟
الكثير لا يدرك بانه قديما، كانت الشهور القمرية متوافقة مع الشهور الشمسية ، فقد كان القدماء يقومون باضافة شهر كل ثلاث سنوات لتغطية الفارق بين السنة الشمسية و القمرية ، و بهذا كان دائما يكون الشهر الشمسي يتوافق مع الشهر القمري دائما ،و من منطلق هذه الحقيقة فان شهر شعبان لابد ان يأتي في موسم الحصاد دائما، و لكن لان الاسلام جاء و ابطل الشهر الثالث عشر و هو شهر النسيء، لذلك فان شهر شعبان لم يعد ياتي في موسم الحصاد دائما،  كباقي الاشهر القمرية الاخرى ، فمرة ياتي رمضان في موسم امطار و مرة ياتي في موسم البرد و مرة ياتي في الربيع و هكذا.

اذن فشهر شعبان كان يأتي قديما في موسم الحصاد المرتبط بالشهور الشمسية ، يعني اذا كان موسم الحصاد في شهر اكتوبر ، فشهر شعبان دائما ياتي في هذا الشهر .

ما الفائدة من تلاقي الشهر الشمسي بالشهر القمري ، ما الفائدة لو قلنا بان الشهر القمري الذي سوف ياتي في موسم الحصاد سيكون شهر شعبان ، مادام و ان الشهور القمرية لا يمكن التفريق بينها ؟

نحن نعلم بان الشهر الشمسي يمكن معرفته تقريبا و بسهولة ، من خلال النجوم فعند دخول نجم نعرف بانه شهر شمسي معين ، و ايضا لانه يرافق الشهور الشمسية تغيرات طبيعية معروفة ، فموسم الامطار لدينا ياتي بغزارة في شهور معينة مثل اغسطس و يوليو و غيرها ، و الطقس البارد ياتي في نهاية السنة و هكذا ، يعني اذا لم تكن تعرف التقويم ، فانت تستطيع معرفة الشهر من خلال النجوم في السماء او من خلال التغيرات الطبيعية التي تحدث او من خلال وسائل اخرى .

لكن ماذا عن الشهر القمري ، هل يمكن التفريق بين شهر و اخر؟

طبعا الشهر القمري لا يمكن التفريق بينه و بين شهر قمري اخر ، كلها متشابة ، و لا توجد علامة يمكن من خلالها ربطها بتسمية لشهر قمري معين ، الا في حالة واحدة فقط ، و هي في الحالة التي يكون فيها القمر في اقرب نقطة الى الارض ، حيث يبدو القمر بشكل كبير جدا و كانه يهبط على الارض ، و اعتقد بانه في هذه الحالة كان هو شهر شعبان و الذي يأتي في موسم الحصاد ، خصوصا و نحن نعلم بان تراثنا الغنائي الشعبي يتغنى بشهر شعبان و يصف الجمال و وجه الحبيب بقمر شعبان لكبر حجمة و جمالة ، و تخبرنا االنصوص الدينية ايضا باحاديث حول نزول الله الى اقرب مكان في السماء و كانها حالة لوصف القمر و هو يكون كانه قريب من سطح الارض و يلامس الارض .

و لهذا فاني اعتقد بان القدماء اختاروا تلك الظاهرة و التي يكون القمر عندها في اقرب نقطة للارض ،  و يبدو فيها القمر كبيرا و كانه يلامس الارض ، و جعلوها تاتي دائما في موسم الحصاد ، شهر شعبان لدينا الان . و هذا الامر الان لم يعد كما كان في السابق ، بعد ابطال الحساب القديم في الشهور القمرية . فشهر شعبان الان لا يأتي مع تلك الظاهرة .

ماهو تفسير حيوان الجمل و الرغبة في الزواج المصاحب في هذا العيد في مدينة اب ؟

بالنظر الى عيد القمر في الصين و مشاهد الاحتفال في المغرب و مدينة إب ، نلاحظ تكرر ذكر العروسة ، فالصينين يصنعون دمى على شكل عروسة و تتحدث الاسطورة الصينية عن قصة امراه تشترط بزواجها تنفيذ مهام معينة و بالاخير تسافر الى القمر ، و في المغرب تلبس بنت ملابس معينة و تطلى نفسها بصبغة حمراء و تركب فوق دابة و تذهب تغتسل من النهر ، و في مدينة إب و غيرها من قرى اب يصاحب الاغاني التي تقال  في هذا العيد ، الحديث عن رغبة في الزواج ، و خوف و صراخ البنات من صعود فوق ظهر الجمل ، و كان العادة بضروره كل بنت تصعد فوق الجمل بخلاف الولد .

الحقيقة ....كاننا امام طقس جنائزي قديم جدا ، هذا الطقس الذي يأتي بعد الحصاد و الخير ، حيث يتم تقديم قربان للاله شكرا له على الرزق و الخير الوفير لهذه السنة .

هناك نصوص دينية تتحدث عن تساقط اوراق الناس في هذا اليوم ، و كانه في هذا اليوم تقام قرعة على الجميع ، ثم الاختيار الورقة التي عليها اسم من يتم تقديم القربان منه ، و اما نوع القربان فكان هو البنت ، في طقس يشبه الطقس لدى المصريين القدماء عروسة النيل ، فالبنت هي العروسة التي ستتزوج القمر ، هي الاضحية التي تقدم للقمر شكر له على الخير في كل سنة ، و يفسر تلك الصبغة الحمراء ( لون الدم ) التي تصبع بها البنت في دولة المغرب، هي العروسة التي تركب فوق ظهر الدابة و يضرب لها الطبول و يسير خلفها الاطفال يحملون الشموع و القناديل المصنوعة من البخور و اللبان في مشهد جنائزي لتقديمها كعروسة للقمر.



 بقلم : مدحت محمد



















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق